حسن الأمين
282
مستدركات أعيان الشيعة
البيت ، ويفحصها فحصا علميا ، ولكن « المرتضى » أعلن منهجه في البحث - كما سنرى - ورأيه في ذلك الركام الخليط ، وانبرى إلى نفي كل ما علق بأخبار الشيعة : من الغلو والجبر ، والتجسيم والتشبيه ، وإلى تحديد الفرق بين الطائفة الشيعية الامامية والطوائف الشيعية الأخرى : كالزيدية ، والإسماعيلية ، والواقفية ، وأدخل الاجتهاد وحق النظر فيما ورد من أحاديث الفقه الشيعي الامامي ، وأسس له أصولا لفظية وعقلية يعتمد عليها في فهم تلك النصوص ، وكان « العماني » و « ابن الجنيد » من قبل السيد المرتضى بقليل ، والتفتا إلى خطر هذا الفن في معرفة الأحكام الشرعية ، وتابعهما « المرتضى » وزاد ، فكانت أصوله تتفق كثيرا مع أصول العامة وتختلف معها فيما يمكن أن يتعارض مع أصول المذهب الشيعي الامامي ، فلم يقبل إجماعا ولا قياسا في حدود ما ألفت العامة ، ولكنه قبل الإجماع في حدود ، وبسبب ما يكشف عن رأي الامام ، وقبل القياس في حدود العلة المنصوصة ، وله في ذلك رسائل متناثرة وكتب أهمها : « كتاب الذخيرة » وألف في الفقه المقارن فوازن بين مذهبه محتجا له ، وبين المذاهب الأخرى محتجا عليها ، وله في ذلك كتب أهمها : « الانتصار » و « الناصريات » وفرق بين الشيعة والمعتزلة - وقد كان المذهب الشيعي الامامي يلتقي كثيرا مع الاعتزال ، وطالما طعن المعتزلة بالرفض - ولكنه حاول محاولات كثيرة إلى الفصل بين الاعتزال والمذهب الشيعي الامامي ، وأشار إلى مواطن التقائهم وخلافهم . ( 1 ) ولقد كان الشيعة في ذلك العصر على شيء كثير من التوثب الذهني ، واليقظة العقلية ، وعلى كثير من الالتفات إلى أصول مذهبهم ، وما يؤخذ عليها من جرح ونقد وطعن ، فكانوا كثيري التساؤل ، كثيري الاعتراض على صنيع السيد الجديد في أصول المذهب ، ولهذا أكثروا ونوعوا الأسئلة ، وكان يجيب عليها بما يجلو لهم الشبه ويزيل الشكوك . وما كان السيد في أي نتاج علمي أو أدبي إلا عاملا على تهذيب المذهب الشيعي ، وعلى تنقيته ، وعلى تحديد مكانه من المذاهب الأخرى وكتابه « الأمالي » و « شرحه لقصيدة السيد الحميري » ، وكتابه « المحكم والمتشابه » من القرآن - إن صحت نسبته إليه - ، وديوان شعره ، ليست إلا مظهرا من مظاهر الخدمة للفكرة الشيعية ، وإن ظهرت بمظهر الإنتاج الفني الصرف . نسبه وسيرته في عام خمس وخمسين وثلاثمائة للهجرة ولد للشريف « أبي أحمد الموسوي » نقيب الطالبيين ببغداد ، من زوجته فاطمة بنت أبي محمد الحسن « الناصر الصغير » ولد أسماه « عليا » ، ولعله تيمن باسم جده علي بن أبي طالب . إذ قد عرف بعد أن كبر « بالمرتضى » ، وهو لقب للإمام علي من بين أئمة أهل البيت . ومن أجل أن نلم بالمهيئات التي أعدت المولود الجديد ، لمقامه الذي تبوأه بعد حين ، لا بد لنا في جملة ما نلم به أن نشير إلى مكانة أبويه . أما أبوه فقد حلاه المؤرخون بألقاب كثيرة ، فهو الأجل الطاهر الأوحد ذو المناقب الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى الكاظم سابع أئمة الامامية ، وأما أمه فهي فاطمة ( 1 ) بنت الحسن نقيب العلويين ببغداد ابن أحمد بن الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر الأشرف بن علي زين العابدين رابع أئمة الشيعة . فالمولود ينتسب لأبوين يصلان به في نسب قصير إلى غاية ما يمكن أن يطمح له طامح في التأني لمعالي الأمور دينية ودنيوية ومن هنا ما كان يستشعر الشيعة له من سمو المقام والمنزلة بين سائر العلويين والطالبيين ، وما كان يستشعره هو نفسه من تكاليف وضرورات ألقاها على عاتقه هذا النسب المتوثب الذي ظل دائما باعث الحماسة في الطالبيين ، إلى نهضات طالما ألقت بهم إلى الصدور أو القبور . ولتصوير ما كان يهيأ له هذا المولود من مقام في مستقبل حياته يحسن إيراد ما قصه « ابن أبي الحديد » وغيره : أن الشيخ المفيد رأى في حلمه أن « فاطمة الزهراء » بنت رسول الله دخلت عليه وهو في مسجده بالكرخ ومعها ولداها الحسن والحسين صغيرين ، فاسلمتهما إليه وقالت علمهما الفقه ، فانتبه الشيخ عجبا ، فلما تعالى النهار صبيحة تلك الليلة ، دخلت عليه المسجد فاطمة بنت الناصر ، وحولها جواريها وبين يديها أبناها « علي المرتضى » و « محمد الرضي » صغيرين ، فقام إليها ، وسلم عليها ، فقالت له : أيها الشيخ ، هذان ولداي قد أحضرتهما إليك لتعلمهما الفقه ، فبكى الشيخ وقص عليها الرؤيا وتولى تعليمهما . ( 2 ) هذا الحلم الذي قصه « المفيد » ككثير من أحلام الناس ، ولكنه في الدلالة على ما كان يستشعره من منزلة هذا البيت ، أو ما يحاول أن يظهر استشعاره من منزلتهم أو منزلته أبلغ أثرا - في أدنى صور الدلالات - مما لو كان حقيقة من الحقائق من حيث فعله في نفس الطفل الذي جيء به ليتعلم الفقه . وهكذا ظل الشعور واللاشعور يعملان على تكوين صاحبنا في نفسه وفي نفوس معاصريه ، بل هكذا ظلت اليقظة والأحلام تتعاونان على تكوين الرجل طول حياته . فإنه لما مرض الوزير « أبو سعيد محمد بن عبد الرحيم » سنة 420 رأى الامام عليا في المنام يقول له : قل « لعلم الهدى » يقرأ عليك الفاتحة حتى تبرأ ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ومن علم الهدى ؟ قال : علي بن الحسين الموسوي ، فكتب إليه الوزير ، فقال المرتضى : الله الله في أمري ، فان قبولي لهذا اللقب شناعة علي ، فقال الوزير : والله ما أكتب إليك إلا ما أمرني به أمير المؤمنين . فسمع « القادر بالله » بالقصة ، فكتب إلى المرتضى : تقبل ما لقبك به جدك ، فقبل . ( 3 ) بهذا الاحساس واجه الصبي كونه الجديد ، فكان فخورا معتدا بنفسه ، ولهذا كثر فخره بنفسه وبآبائه في شعره ، وهي ظاهرة شاركه فيها أخوه « الرضي » حتى لقد كان يغلب على طلائع شعرهما الحماسة والفخر ، ولهذا الشعور أيضا أحس بعظم ما ألقى على عاتقه من واجبات ، فانصرف
--> ( 1 ) انظر مقدمة كتابه « إنقاذ البشر » . ( 2 ) ابن أبي الحديد ج 1 ص 14 ط دار الحلبي ، ورياض العلماء ص 413 نقلا عن خط الشيخ البهائي ، نقلا عن خط الشيخ الشهيد ، و « روضات الجنات » ج 2 ص 383 ط إيران . ( 3 ) رياض العلماء ص 470 : وقد نقل حكاية الوزير جماعة من الخاصة والعامة . و « روضات الجنات » ج 2 ص 383 . ومثل هذه في روضات الجنات ج 2 ص 564 .